أبي منصور الماتريدي

11

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - الآخر ، لكن وجود مثلين لا يتميز أحدهما عن الآخر باطل ؛ فما أدى إليه من صحة إعادة المعدوم بعينه باطل ، فثبت نقيضه وهو المطلوب . وبيان ذلك أن الله عزّ وجل قادر على إيجاد مثل المعدوم مستأنفا فلنفرضه واقعا مع المعدوم ، وحينئذ يوجد مثلان بدون تميز وهما المعدوم والمستأنف الذي فرضنا وقوعه . وكذلك فإن الاثنينية تقتضي التغاير ، وما ذاك إلا بتمايزهما ، فوجود مثلين بدون تمايز باطل . ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأنه - أولا - إن كان مرادكم بالمثل المستأنف المماثل في النوع أي : في الماهية ، فالملازمة ممنوعة ؛ لأن التميز بينهما حاصل بالهوية ؛ لأن كل اثنين يتحدان في النوع هما متمايزان بالعوارض المشخصة ، وعلى هذا فقولكم في الملازمة : لا يتميز أحدهما عن الآخر ، ممنوع . وإن كان مرادكم بالمثل المستأنف المماثل من كل الوجوه أي : في الحقيقة والهوية ، امتنعت الملازمة أيضا ، ومن ناحية أخرى فإن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد هذا المثل المستأنف ، لأنه غير ممكن ، ووظيفة القدرة التعلق بالممكن ، وهذا المثل المستأنف لا يصح إيجاده عقلا ، وبالتالي فهو غير ممكن ؛ لأن مقتضى كونه ثانيا مع المعاد ألا يكون هو هو ، ومقتضى كونه مثلا له بمعنى الاتحاد والعينية أن يكون هو هو ، فآل الأمر إلى أنه عين المعاد - لا عينه - وذلك تناقض . ويجاب عن هذا الدليل ثانيا بأنه لو تم - أي : هذا الدليل - لما وجد المبتدأ ؛ لأنه لو وجد لجاز أن يوجد مثلان لا يتميز أحدهما عن الآخر ؛ لأن الله قادر على إيجاد مثله معه ، فدليلكم يجري في المبتدأ أيضا سواء أكان المثل بمعنى المماثلة في النوع أو بمعنى الاتحاد والعينية ، وإذا كان دليلكم يترتب عليه باطل وهو عدم وجود المبتدأ فهو باطل ؛ لأن اللازم إذا كان باطلا بطل ملزومه . الدليل الرابع : أنه متى أعيد المعدوم بعينه يقال فيه : إنه عين الأول ، أي : أنه يلزم الحكم عليه عند وجوده بأنه عين الموجود الأول ، فالحكم عليه بأنه عين الموجود الأول يقتضي أنه - وهو معدوم - متصف بصحة العود ، إذ لو كان مستحيلا عوده لما وجد ، فلا يحكم عليه حينئذ ، إذ الحكم عليه بأنه عين الأول فرع عن إمكان عوده ، ولو كان متصفا بصحة العود وإمكانه ، لكان متميزا حال العدم . وهذه النتيجة الأخيرة التي ترتبت على تسلسل القول بإعادة المعدوم بعينه - وهي التميز حال العدم - باطلة ، فبطل كل ما أدى إليها ؛ فبطل تبعا لذلك إعادة المعدوم بعينه ، وقد نوقش هذا الدليل من قبل كل من أهل السنة وبعض شيوخ المعتزلة ، وكل منهما قد سلك مسلكا مختلفا في المناقشة عما سلكه الفريق الآخر : أما شيوخ المعتزلة : فإن من أصل مذهبهم - كما سبق أن أوضحناه من قبل - أن المعدوم شيء ثابت متقرر ، وليس نفيا صرفا ؛ وبناء على هذا فهم لا يسلمون بقول المستدل : إن التميز للمعدوم باطل ؛ لأنه نفي صرف . أما أهل السنة : فهم يخالفون المعتزلة في اعتبارهم أن المعدوم شيء ثابت متقرر وليس نفيا صرفا بل إنهم يوافقون المستدل على أن التميز للمعدوم باطل ؛ لأنه نفي صرف ، إلا أنهم يناقشون المستدل ، بأنه إن كان مراده بالتميز التميز الخارجي ، فإنهم لا يسلمون له بقوله : إن اتصاف المعدوم بصحة العود يقتضي تميزه ، أي : في الخارج ؛ لأن الاتصاف بصحة العود أمر اعتباري لا وجود له في الخارج فلا يقتضي التميز الخارجي ؛ لأن الذي يقتضي التميز المذكور هو الصفات الخارجية لا الاعتبارية . أما إن كان مراده بالتميز التميز في الذهن فإنهم يقولون : إن هذا التميز - أي : الذهني - باطل ؛ لأن التميز الذهني حاصل في الممتنعات الصرفة ؛ فمن باب أولى حصوله في المعدومات الممكنة . -